ذات مرة اضطررت هند لسفرإستشفائي لأحد أفراد أسرتها بعد عملية جراحية غير ناجحة فى الوطن، وكانت حينها لم تبلغ عشرين سنة، فقررت الذهاب إلى دكار لأنه الأقرب وأقل تكاليف وأكثر تطورا منا فى المجال الصحي مع أن بلدنا أغنى بثرواته ولكنهم تفوقوا بحسن تسييرهم لمواردهم ووعيهم لأهمية الإسثمار فى القطاعات الإجتماعية والتنموية التى تلامس حياة المواطن، شاءت الأقدار فى تلك الظرفية عدم وجود مرافق لها عدى الصبي المريض فتوكلت على الله وحضرت الحقائب لسفر جوي إلى دكار،ولم تكن قد زارته من قبل بل لم تسافر وحدها قط، فاحتاطت الأسرة بإتصالها ببعض الأقارب تجارا فى السنغال لإستقبالها. وكان موعد الإقلاع الثامنة ليلا وبعد دخولها قاعة الإنتظار فى المطار وإنصراف الأهل انتابها شعور مخيف <<يا إلهي ما ذا لو لم أجد من يستقبلني فى المطار؟ وبينما هي غارقة فى التفكير فإذا بشخص يقرئها السلام فنظرت إليه فإذا بزميل لها فى الدراسة من المرحلة الإبتدائية بعد تبادل التحايا سألته هل أنت مسافر إلى دكار؟ فأجابها لا بل إلى السعودية ،سأتوقف بمطار دكارمدة ساعة وبعدها أستغل طائرة من الخطوط الجوية السعودية، فمنحتها رفقته بعض الأمان . ودامت الرحلة أقل من ساعة وعندها طلبت المضيفة أن يحزم الجميع أحزمة الأمان إستعدادا للنزول فى مطا سدار سنكوراستوقفها الإسم ورمزيته كدليل على الذاكرة الجمعوية للبلد المضيف، وبعد إجراآت الوصول بدأت تقلب النظر بين المستقبلين لعلها تري الأقارب المستقبلين، لا أحد على ما يبدو حاولوا الإتصال عن طريق هاتف ثابت بقطع نحاس كانت عند زميلها ،أما هي فلا تملك أي قطعة ولا تعرف التعامل بالإفرنك، ولكن بدون جدوى لا أحد يردعلى الهاتف (آنذاك لم يكن الجوال قد وجد)، فسألت الزميل كيف سأتصرف؟ فرد عليها سألغي رحلتي وأذهب لأوصلك إلى العنوان الذى تحملين، ولم يبق على رحلته إلا عشرون دقيقة. قالت لا أبدا لن أقبل بإلغاء رحلتك مهما كلف الثمن ! وبدأت الناس بجر أمتعتها والإنصراف شيئا فشيئا حتى بدا المطار خاويا إلا من جماعة من أهل البلد بدا أنهم لا يخلون من الإحتيال، فأخذوا ببعض الإستفزازات تارة يتجاذبون معهم الأمتعة على سبيل حملها إلى سيارات الأجرة ، وعند ما يرد عليهم زميلها أنهم فى إنتظار من سيأتي لنقلهم، يكرروا ما قاله بصفة تهكمية فحاولت التدخل بالولفية على سبيل من علم لغة قوم سلم مكرهم ، لم يجدي ذلك نفعا ربما أن اللغة السائدة وقتها هي لغة النصب والإحتيال، وبينما هم كذلك ترأى لهم رجل من بعد موريتاني الملامح والملبس وهوخارج من المطار لايدرون من أي جهة خرج فحمل الزميل الأمتعة وحملت هي الصبي وأسرعا خلفه، فوصلا إليه وقد أوقف سيارة أجرة من خارج المطار فلم تساوم فى الركوب معه لسببين أولهما لتخلص الزميل منها لكي يتابع سفره الذى اقترب، ثانيا لتتخلص من الجماعة المحتالة على أمل أن لا يكون إبن وطنها وجلدتها محتالا. فخاطبه زميلها: من فضلك أطلب منك أن توصلها إلى العنوان الذى تحمل وأوضح له أنه على جناح سفر، فرد الرجل قائلا لا أستطيع لأن الوقت قارب العاشرة ليلا وهو لا يعرف دكار جيدا وأنه حجزمسبقا لليلة واحدة ليتابع سفره فى اليوم الموالي، ولكنه سيحاول أن يجد لها غرفة فى الفندق حتى الصباح ثم يوصلها. فسأله عن إسم الفندق فأجابه، وقبلوا مضطرين وعندما أهم بالإنصراف همس بالقرب منها قائلا أخذت رقم السيارة وسأبقى فيما تبقى من الوقت خارج المطارلعل أقاربك يأتون متأخرين لأخبرهم مكانك. وانطلقت السيارة فى طريق مظلم لا إنارة فيه إلا أضواء السيارات ولا قمر يضيئ الأفق عندما تنظر إلى جنبات الطريق لا ترى إلا الظلام الحالك فاحتسبت واستسلمت للقدر وغرقت فى بحر من الحيرة والقلق وبينما هي كذلك فكرت فى إستجدائه ليوصلها إلى العنوان، فأجا بها يا أختي أنا أحمل معي مالا ولا يمكنني المخاطرة فى داكار ليلا؛ فسألته هل أنت متأكد من أنك ستجد لي غرفة فى الفندق؟ فرد عليها أبدا لست متأكد ولكنني سأحاول.... وعندها قال للسائق يكفي لقد وصلنا فنظرت يمينا و شمالا لم تر إلا الأمواج المتلاطمة ولا صوت يعلو فوق هديرها،أحست بخوف شديد .يا ربي ماذا يخبئ لي القدر؟ ماهذا المكان؟ أين الفندق؟ اللهم وجهني إلى الخير ووجهه أين ما وجهتني. فكرت فى الهروب ولكن إلى أين؟ وبينما هي شاردة إذا بالرجل يخاطبها إنزلي من هنا فالتفتت إليه فإذا بسلم نازل من سطح الأرض إلى الأسفل فنزلت بعده حتى وصلت إلى بهو كبير مؤثث تأثيث راقي بالطاولات والكراسي مكتظ بالناس، على ما يبدو من جنسيات أربية مختلفة (حسب ما سمعت من لوغهم) وبعض العاملين السنغاليين؛ و غمام من دخان السجائر ممزوج ببخارالقهوة يملأ الفضاء، إنه مقهي الفندق، قال لها أجلسي هنا ووضع الحقائب بجانبها وبعد نصف ساعة جاءتها عاملة فحملت الحقائب وقالت لها تفضلي وبقي السؤال عالق فى ذهنها هل وجدت لي غرفة؟ وفى الطريق مرت به عند مكان الإستقبال سألته هل وجدت غرفة أخرى ؟أجابها: مازلت أحاول ولكن تفضلي مع العاملة استريحي فى غرفتي, يا ساتر ومالعمل إن لم يجد غرفة أخرى؟ .............. فنزلوا الطابق الأول السفلي ثم الثاني السفلي وكان الهدوء مطبقا والأضواء خافتة حتى وصلوا إلى الغرفة. وكانت راقية التأثيث ، غاية فى البساطة وتناسق الألوان، بدأت العاملة بإزالة الستائر فإذا بالبحر لا يفصلهم عنه إلا حائط زجاجي وبه منفذ عليه، وعلى شاطئه مصابيح بإضاءة خفيفة وبالونات قليلة حمراء متناثرة لعلها تحمل بداخلها إضاءة ،وقبل إنصراف العاملة وقعت عينها على هاتف ثابت ففكرت بالإتصال مرة أخرى بأقاربها لعلها تجدهم، فخاطبتها بالولفية طالبة أن تمسك لها الصبي حتى تتصل هاتفيا ففعبلت وحينها رد الهاتف فإذا بأحدهم فسألته بصوت مختنق والدمور تنهمر من عينيها ماهذا التصرف لماذا لم تستقبلونني فى المطار ؟ فأجابها اتصلنا هاتفيا بالمطار نسأل عن توقيت وصول الطائرة فأعطونا توقيتا خاطئا ثم جئنا إلى المطار بعد مغادرتك له ووجدنا زميلك فأخبرنا أنكم ذهبتم إلى فندق (لمرديانه) ثم بحثنا عنك هناك ولم نجدك حينها قررنا الرجوع إلى المنزل علك تتصلين ، وبدا أن الزميل اشتبه عليه إسم الفندق بآخر، فأجابتهم أنها فى فندق (لاكون2 )وأخبرتهم برقم الغرفة ثم قالوا لها نحن فى الطريق إليك وعندها أحست بالأمان . وكان الرجل قد دخل أثناء مهاتفتها ، ولما رأى الإرتياح باديا عليها سألها هل كنت خائفة؟ فلم تصارحه با الحقيقة. فأردف لماذا لا تثيقي بي؟ فأجابته وما دليلك على عدم ثقتي بك؟ فردعليها: لأنك فور دخولك بدأت بالإتصال هاتفيا ، فحاولت تبرير الموقف قائلة قلقت بعض الشيئ من عدم التأكد من إيجاد غرفة ثانية، قال وإن يكن، وحتى لو تطلب الأمر أن أبيت فى الشارع لفعلت وأترك لك الغرفة. وكانت تقرأ من تعابير وجهه الصدق كما أحسث بطيبة قلبه، وعندها طلبت منه التعارف فإذا بهم أقارب ،وحينها وصلوا أقاربها فتعارف الجميع وبعد دردشة فى الموضوع شكروه وانصرفوا.
ولمحنة السفر هذه بقية.